فخر الدين الرازي

13

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الاَْرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . اعلم أن في قوله : * ( جعلكم خلائف الأرض ) * وجوهاً : أحدها : جعلهم خلائف الأرض لأن محمداً عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين ، فخلفت أمته سائر الأمم . وثانيها : جعلهم يخلف بعضهم بعضاً . وثالثها : أنهم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها . ثم قال : * ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) * في الشرف . والعقل ، والمال ، والجاه ، والرزق ، وإظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل ، فإنه تعالى متعال عن هذه الصفات ، وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان وهو المراد من قوله : * ( ليبلوكم فيما أتاكم ) * ( المائدة : 48 ) وقد ذكرنا أن حقيقة الابتلاء والامتحان على الله محال ، إلا أن المراد هو التكليف وهو عمل لو صدر من الواحد منا لكان ذلك شبيهاً بالابتلاء والامتحان ، فسمى لهذا الاسم لأجل هذه المشابهة ، ثم إن هذا المكلف إما أن يكون مقصراً فيما كلف به ، وإما أن يكون موفراً فيه ، فإن كان الأول كان نصيبه من التخويف والترهيب ، وهو قوله : * ( إن ربك سريع العقاب ) * ( الأنعام : 165 ) ووصف العقاب بالسرعة ، لأن ما هو آت قريب ، وإن كان الثاني ، وهو أن يكون موفراً في تلك الطاعات كان نصيبه من التشريف والترغيب هو قوله : * ( وإنه لغفور رحيم ) * أي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا بستر فضله وكرمه ورحمته ، وفي الآخرة بأن يفيض عليه أنواع نعمه ، وهذا الكلام بلغ في شرح الأعذار والإنذار والترغيب والترهيب إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه ، وهذا آخر الكلام في تفسير سورة الأنعام ، والحمد لله الملك العلام .